فهرس الكتاب
يتوبون, ويصيبون الذنب ثم يتوبون, وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد, عن ابن المسيب بنحوه, وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به.
وقال عطاء بن يسار بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها, ووافقه مجاهد في ذلك. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله: {فَإِنّهُ كَانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا} قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا. وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب, الراجع من المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه, وهذا الذي قاله هو الصواب, لأن الأواب مشتق من الأوب, وهو الرجوع, يقال: آب فلان إذا رجع, قال تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال:"آيبون تائبون, عابدون لربنا حامدون".
{وَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُورًا وَإِمّا تُعْرِضَنّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مّن رّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لّهُمْ قَوْلًا مّيْسُورًا}
لما ذكر تعالى بر الوالدين, عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام, وفي الحديث"أمك وأباك ثم أدناك أدناك"وفي رواية"ثم الأقرب فالأقرب", وفي الحديث"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله, فليصل رحمه"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب, حدثنا أبو يحيى التميمي, حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال: لما نزلت {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك, ثم قال: لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الخوار, وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده, لأن الآية مكية, وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة, فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ فهو إذًا حديث منكر, والأشبه أنه من وضع الرافضة, والله أعلم, وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا.
وقوله {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا} لما أمر بالإنفاق, نهى عن الإسراف فيه, بل يكون وسطًا كما قال في الآية الأخرى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الآية, ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف { إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ} أي أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق, وكذا قال ابن عباس, وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا, ولو أنفق مدًا في غير حق كان مبذرًا. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى, وفي غير الحق والفساد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال, عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير, وذو أهل وولد وحاضرة, فأخبرني كيف أنفق, وكيف أصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تخرج الزكاة من مالك إن كان, فإنها طهرة تطهرك, وتصل أقرباءك, وتعرف حق السائل والجار والمسكين"فقال: يا رسول الله أقلل لي ؟"فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا"فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها, وإثمها على من بدلها".
وقوله: {إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ} أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته, ولهذا قال {وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُورًا} أي جحودًا, لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم