فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 2760

لّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد القائلين استفهام إنكار منهم لذلك {أَإِذَا كُنّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} أي ترابًا, قاله مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: غبارًا, {أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} أي يوم القيامة بعدما بلينا وصرنا عدمًا لا نذكر, كما أخبر عنهم في الموضع الآخر {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظامًا نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة} . وقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} الآيتين, فأمر الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم فقال: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} إذ هما أشد امتناعًا من العظام والرفات {أَوْ خَلْقًا مّمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك, فقال: هو الموت, وروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم, وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم, ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة, لأحياكم الله إذا شاء, فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده.

وقد ذكر ابن جرير ههنا حديثًا"يجاء بالموت يوم القيامة وكأنه كبش أملح, فيوقف بين الجنة والنار, ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم, ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم, فيذبح بين الجنة والنار, ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت, ويا أهل النار خلود بلا موت"وقال مجاهد {أَوْ خَلْقًا مّمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} يعني السماء والأرض والجبال, وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم, وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: {أَوْ خَلْقًا مّمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال مالك ويقولون هو الموت.

وقوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا {قُلِ الّذِي فَطَرَكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ} أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا ثم صرتم بشرًا تنتشرون, فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} الآية, وقوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء, وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها, لأن إنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل, ومنه قيل للظليم وهو ولد النعامة نغض, لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه, ويقال: نفصت سنّه إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز:

ونغضت من هرم أسنانها

وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىَ هُوَ} إخبار عنهم بالإستبعاد منهم لوقوع ذلك, كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وقال تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا} . وقوله: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} أي احذروا ذلك, فإنه قريب سيأتيكم لا محالة, فكل ما هو آت آت. وقوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} أي الرب تبارك وتعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي إذا أمركم بالخروج منها, فإنه لا يخالف ولا يمانع, بل كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وقوله {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} أي إنما هو أمر واحد بانتهار, فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها, كما قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فتستجيبون بحمده, أي بأمره, وكذا قال ابن جريج: وقال قتادة بمعرفته وطاعته.

وقال بعضهم يَوْمَ يَدْعُوكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت