فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 2760

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ

وقوله تعالى: {كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ} قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته وطبيعته. وقال قتادة: على نيته. وقال ابن زيد: دينه, وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى وهذه الآية - والله أعلم - تهديد للمشركين ووعيد لهم, كقوله تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} الآية, ولهذا قال: {يَئُوسًا قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ فَرَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىَ سَبِيلًا} أي منا ومنكم, وسيجزي كل عامل بعمله فإنه لا يخفى عليه خافية.

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا}

قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة, عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة, وهو متكىء على عسيب, فمر بقوم من اليهود, فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح, وقال بعضهم: لا تسألوه. قال فسألوه عن الروح, فقالوا: يا محمد ما الروح ؟ فما زال متوكئًا على العسيب, قال: فظننت أنه يوحى إليه, فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا} قال: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.

ولفظ البخاري عند تفسيره هذه الآية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متوكىء على عسيب, إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح, فقال: ما رابكم إليه, وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا سلوه, فسألوه عن الروح, فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم, فلم يرد عليهم شيئًا, فعلمت أنه يوحى إليه, فقمت مقامي, فلما نزل الوحي قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي} الآية, وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية, وأنه نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة, مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية, كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك, أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه, وهي هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ} ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة, حدثنا يحيى بن زكريا عن داود عن عكرمة, عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل, فقالوا: سلوه عن الروح, فسألوه, فنزلت {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا} قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا, أوتينا التوراة, ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا, قال: وأنزل الله {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} الآية.

وقد روى ابن جرير عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى, عن داود عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح, فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ} الآية, فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلًا, وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} قال: فنزلت { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} الآية, قال ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار, فهو كثير طيب, وهو في علم الله قليل.

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه, عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود وقالوا: يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول {وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا} أفعنيتنا أم عنيت قومك, فقال"كلًا قد عنيت"فقالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت