فهرس الكتاب
الْبَاطِلُ الآية, تهديد ووعيد لكفار قريش, فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به, وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع, وزهق باطلهم أي اضمحل وهلك, فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} . وقال البخاري: حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب, فجعل يطعنها بعود في يده ويقول:" {جاء الحق وزهق الباطل, إن الباطل كان زهوقًا} . جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد"وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع, ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به, وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير, حدثنا شبابة, حدثنا المغيرة, حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا تعبد من دون الله. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجوهها, وقال: {جاء وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا} .
{وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالِمِينَ إَلاّ خَسَارًا}
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل, فالقرآن يشفي من ذلك كله, وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه, وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه, فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة, وأما الكافر الظالم نفسه بذلك, فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعدًا وكفرًا, والآفة من الكافر لا من القرآن, كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} , وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} والآيات في ذلك كثيرة. قال قتادة في قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه, فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
{وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ كَانَ يَئُوسًا قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ فَرَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىَ سَبِيلًا}
يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله تعالى في حالتي السراء والضراء, فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر, ونال ما يريد, أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد عنا, قلت: وهذا كقوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} وقوله: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} وبأنه إذا مسه الشر وهو المصائب, والحوادث والنوائب {كَانَ يَؤُوسًا} أي قنط أن يعود فيحصل له بعد ذلك خير, كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا