بالذي كانوا يجتمعون فيه, وقال تعالى فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} والعرب تسمي المجلس النادي, وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة وفيهم قشافة فعرض أهل الشرك ما تسمعون {أَيّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} وكذا قال مجاهد والضحاك ومنهم من قال في الأثاث هو المال ومنهم من قال الثياب ومنهم من قال المتاع والرئي المنظر كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد, وقال الحسن البصري يعني الصور وكذا قال مالك: {أَثَاثًا وَرِءْيًا} أكثر أموالًا وأحسن صورًا والكل متقارب صحيح.
{قُلْ مَن كَانَ فِي الضّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرّحْمَنُ مَدًّا حَتّىَ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمّا العَذَابَ وَإِمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرّ مّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا}
يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على حق وأنكم على باطل: {مَن كَانَ فِي الضّلاَلَةِ} أي منا ومنكم {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرّحْمَنُ مَدًّا} أي فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله {حَتّىَ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمّا العَذَابَ} يصيبه {وَإِمّا السّاعَةَ} بغتة تأتيه {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذ {مَنْ هُوَ شَرّ مّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندى. قال مجاهد في قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرّحْمَنُ مَدًّا} فليدعه الله في طغيانه, وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير رحمه الله وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه, كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم إن كنتم تدعون أنكم على الحق, فإنه لا يضركم الدعاء, فنكلوا عن ذلك, وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا, ولله الحمد, وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله, وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى, وأنه مخلوق كآدم, قال تعالى بعد ذلك: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} فنكلوا أيضًا عن ذلك.
{وَيَزِيدُ اللّهُ الّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مّرَدًّا}
لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه, أخبر بزيادة المهتدين هدى, كما قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} الاَيتين. وقوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ} قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} أي جزاء {وَخَيْرٌ مّرَدًّا} أي عاقبة ومردًا على صاحبها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأخذ عودًا يابسًا فحط ورقه, ثم قال:"إن قول لا إله إلا الله, والله أكبر, وسبحان الله, والحمد لله, تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح, خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن, هن الباقيات الصالحات, وهن من كنوز الجنة"قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله, ولأكبرن الله, ولأسبحن الله, حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون, وهذا ظاهره أنه مرسل, ولكن قد يكون من رواية