برأسه وعنقه.
وقوله: {اذْهَبْ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ} أي اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارًا منه وهاربًا فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له, ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم, فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى. قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني, وإن معك أيدي ونصري, وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري, فأنت جند عظيم من جندي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي, وأمن مكري, وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي, وأنكر ربوبيتي وزعم أنه لا يعرفني, فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار, فإن أمرت السماء حصبته, وإن أمرت الأرض ابتلعته, وإن أمرت الجبال دمرته, وإن أمرت البحار غرقته, ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحقي إني أنا الغني لاغني غيري, فبلغه رسالتي, وادعه إلى عبادتي, وتوحيدي وإخلاصي وذكره أيامي, وحذره نقمتي وبأسي, وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي, وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى, وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة, ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا, فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني, وقل له أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة, تسبه وتتمثل به, وتصد عباده عن سبيله, وهو يمطر عليك السماء, وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب, ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل, ولكنه ذو أناة وحلم عظيم, وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده, فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت, ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة, ولا قليل مني, تغلب الفئة الكثيرة بإذني, ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به, ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين, ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين نظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت, ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما, وكذلك أفعل بأوليائي وقديمًا ما جرت عادتي في ذلك, فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العناء, وما ذاك لهوانهم علي ولكن لسيتكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالمًا موفرًا لم تكلمه الدنيا, واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا, فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع, وسيماهم في وجوههم من أثر السجود, أولئك أوليائي حقًا حقًا, فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل قلبك ولسانك, واعلم أنه من أهان لي وليًا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباد أني وعرض لي نفسه ودعاني إليها, وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي, أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي, أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني, أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني, وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري, رواه ابن أبي حاتم
{قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسّرْ لِيَ أَمْرِي} هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بعثه به, فإنه قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم, بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم وأشدهم كفرًا, وأكثرهم جنودًا, وأعمرهم ملكًا, وأطغاهم وأبلغهم تمردًا, بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله, ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره, هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم في حجر فرعون على فراشه, ثم قتل منهم نفسًا فخافهم أن يقتلوه, فهرب منهم هذه المدة بكمالها, ثم بعد هذا بعثه ربه عز وجل إليهم نذيرًا يدعوهم إلى