فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 2760

الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له, ولهذا قال: {رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسّرْ لِيَ أَمْرِي} أي إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري, وإلا فلا طاقة لي بذلك {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي} وذلك لما كان أصابه, من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة, فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه, كما سيأتي بيانه, وما سأل أن يزول ذلك بالكلية, بل بحيث يزول العي, ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة, ولو سأل الجميع لزال, ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة, ولهذا بقيت بقية, قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} أي يفصح بالكلام.

وقال الحسن البصري {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِي} قال: حل عقدة واحدة. ولو سأل أكثر من ذلك أعطي. وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه, فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام, وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه, فآتاه سؤله فحل عقدة من لسانه, وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن عثمان, حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر, حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له: فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك, ولست تعرب في قراءتك, فقال القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك ؟ قال: نعم. قال: فإن موسى عليه السلام إنما سأل ربه أن يحلّ عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه, ولم يزد عليها, هذا لفظه.

وقوله: {وَاجْعَل لّي وَزِيرًا مّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي} وهذا أيضًا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه, وهو مساعدة أخيه هارون له. قال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال فنبىء هارون ساعتئذ حين نبىء موسى عليهما السلام. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نمير, حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر, فنزلت ببعض الأعراب, فسمعت رجلًا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه ؟ قالوا: لا ندري. قال: أنا والله أدري. قالت: فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه, قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة, فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى عليه السلام: {وكان عند الله وجيهًا} .

وقوله: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} قال مجاهد: ظهري, {وَأَشْرِكْهُ فِيَ أَمْرِي} أي في مشاورتي {كَيْ نُسَبّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وقوله: {إِنّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} أي في اصطفائك لنا وإعطائك إيانا النبوة, وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون فلك الحمد على ذلك.

{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَىَ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرّةً أُخْرَىَ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىَ أُمّكَ مَا يُوحَىَ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوّ لّي وَعَدُوّ لّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مّنّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىَ عَيْنِيَ إِذْ تَمْشِيَ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَىَ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىَ أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجّيْنَاكَ مِنَ الْغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَمُوسَىَ}

هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز وجل, وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان من أمر أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه, لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان, فاتخذت له تابوتًا, فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل, وتمسكه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت