ولهذا قال: رجع إليهم غضبان أسفًا, والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: غضبان أسفًا أي جزعًا, وقال قتادة والسدي: أسفًا حزينًا على ما صنع قومه من بعده {قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} أي أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة, كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} أي في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم, {أَمْ أَرَدتّمْ أَن يَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رّبّكُمْ} أم ههنا بمعنى بل, وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني, كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي, قالوا أي بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي عن قدرتنا واختيارنا, ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد, يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر, فقذفناها أي ألقيناها عنا.
وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار, وهي في رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس, إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة, ويجعل حجرًا واحدًا, حتى إذا رجع موسى عليه السلام, رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول, وسأل من هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته, فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له, فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلًا, فكان عجلًا له خوار أي صوت استدراجًا, وإمهالًا ومحنة واختبارًا, ولهذا قال: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السّامِرِيّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لّهُ خُوَارٌ} .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن النجتري, حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل, فقال له: ما تصنع ؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع, فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه, ومضى هارون. وقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار, فكان إذا خار سجدوا له, وإذا خار رفعوا رؤوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: أعمل ما ينفع ولا يضر. وقال السدي كان يخور ويمشي فقالوا: أي الضّلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: {هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىَ فَنَسِيَ} أي نسيه ههنا وذهب يتطلبه, كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس, وبه قال مجاهد, وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {فَنَسِيَ} , أي نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم, وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال: {هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىَ} قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبًا لم يحبوا شيئًا قط يعني مثله, يقول الله: {فَنَسِيَ} أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري. قال الله تعالى ردًا عليهم وتقريعًا لهم وبيانًا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا} أي العجل, أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه, {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا} , أي في دنياهم ولا في أخراهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره. فيخرج من فمه فيسمع له صوت, وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه بهموت, وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل, فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير, كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب, يعني هل يصلي فيه أم لا ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: انظروا إلى أهل العراق, قتلوا ابن بنت رسول الله يعني الحسين, وهم يسألون عن دم البعوضة.