فهرس الكتاب

الصفحة 1655 من 2760

وَهُمْ مّنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ وَهَذَا ذِكْرٌ مّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ

قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما, وبين كتابيهما, ولهذا قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} قال مجاهد: يعني الكتاب. وقال أبو صالح: التوراة. وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها, وما فرق الله بين الحق والباطل. وقال ابن زيد يعني النصر: وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل, والهدى والضلال, والغي والرشاد, والحلال والحرام, وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية وخوفًا وإنابة وخشية, ولهذا قال: {الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لّلْمُتّقِينَ} أي تذكيرًا لهم وعظة, ثم وصفهم فقال: {الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ} كقوله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} . وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {وَهُمْ مّنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي خائفون وجلون, ثم قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} يعني القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, تنزيل من حكيم حميد {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور ؟.

{وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِيَ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ قَالُوَاْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاّعِبِينَ قَالَ بَل رّبّكُمْ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الّذِي فطَرَهُنّ وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ}

يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل, أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه, كما قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع, وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها, وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني إسرائيل, فما وافق منها الحق, مما بأيدينا عن المعصوم, قبلناه لموافقته الصحيح, وما خالف شيئًا من ذلك رددناه, وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفًا, وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص كثير من السلف في روايته, وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين, ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة, والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من تضييع الزمان, ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم, فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها, كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة. والمقصود ههنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل, أي من قبل ذلك.

وقوله: {وَكُنّا بِهِ عَالِمِينَ} أي وكان أهلا لذلك, ثم قال: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِيَ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل, فقال: {مَا هَذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِيَ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي معتكفون على عبادتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح, حدثنا أبو معاوية الضرير, حدثنا سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: مر علي رضي الله عنه على قوم يلعبون بالشطرنج, فقال: ما هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت