فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 2760

التماثيل التي أنتم لها عاكفون, لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير له من أن يمسها {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال, ولهذا قال: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} أي الكلام مع آبائكم الذي احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم, فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم, فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم {قَالُوَاْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاّعِبِينَ} يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبًا أم محقًا فيه, فإنا لم نسمع به قبلك {قَالَ بَل رّبّكُمْ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الّذِي فطَرَهُنّ} أي ربكم الذي لا إله غيره, وهو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن, وهو الخالق لجميع الأشياء {وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ} أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.

{وَتَاللّهِ لأكِيدَنّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلّواْ مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاّ كَبِيرًا لّهُمْ لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَآ إِنّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىَ أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوَاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ}

ثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم, أي ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين, أي إلى عيدهم, وكان لهم عيد يخرجون إليه, قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا, فخرج معهم, فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض, وقال: إني سقيم فجعلوا يمرون عليه وهو صريع فيقولون: مه, فيقول: إني سقيم, فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: {وَتَاللّهِ لأكِيدَنّ أَصْنَامَكُمْ} فسمعه أولئك. وقال ابن إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه, فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا ؟ قال: إني سقيم, وقد كان بالأمس, قال: {وَتَاللّهِ لأكِيدَنّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلّواْ مُدْبِرِينَ} فسمعه ناس منهم.

وقوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} أي حطامًا كسرها كلها, إلا كبيرًا لهم يعني إلا الصنم الكبير عندهم, كما قال: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} . وقوله {لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه, وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَآ إِنّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ} أي حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها وعلى سخافة عقول عابديها {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَآ إِنّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ} أي في صنيعه هذا, {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} أي قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: سمعنا فتىً أي شابًا, يذكرهم يقال له إبراهيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف, حدثنا سعيد بن منصور, حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب, وتلا هذه الآية {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} .

وقوله {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىَ أَعْيُنِ النّاسِ} أي على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم, وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام. التي لا تدفع عن نفسها ضرًا, ولا تملك لها نصرًا, فكيف يطلب منها شيء من ذلك ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت