فهرس الكتاب
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبًا فأعطيت بها ثلثمائة دينار, أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنًا ؟ قال: لا"انحرها إياها"وقال الضحاك عن ابن عباس البدن من شعائر الله. وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله. وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت.
وقوله: {لكم فيها منافع} أي لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها إلى أجل مسمى. قال مقسم عن ابن عباس في قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} قال: ما لم تسم بدنًا. وقال مجاهد في قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} قال: الركوب واللبن والولد, فإذا سميت بدنة أو هديًا ذهب ذلك كله, وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هديًا إذا احتاج إلى ذلك, كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يسوق بدنة قال:"اركبها"قال: إنها بدنة. قال:"اركبها ويحك"في الثانية أو الثالثة. وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها"وقال شعبة عن زهير عن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن عن علي أنه رأى رجلًا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها, فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها.
وقوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أي محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق, وهو الكعبة, كما قال تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وقال: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبًا, ولله الحمد. وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل, قال الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} .
{وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَىَ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلَىَ مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصّلاَةِ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل. وقال على ابن أبي طلحة عن ابن عباس {وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} قال: عيدًا. وقال عكرمة: ذبحًا. وقال زيد بن أسلم في قوله: {وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} إنها مكة, لم يجعل الله لأمة قط منسكًا غيرها. وقوله: {لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَىَ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين, فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون, أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود - وهو نفيع بن الحارث - عن زيد بن أرقم قال: قلت أو قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال:"سنة أبيكم إبراهيم"قالوا: ما لنا منها ؟ قال:"بكل شعرة حسنة"قال فالصوف ؟ قال:"بكل شعرة من الصوف حسنة"وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه من حديث سلام بن مسكين به.
وقوله: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضًا, فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ولهذا قال: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته