فهرس الكتاب
{وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ} قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس: المخبتين الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال الثوري {وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ} قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له, وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: {الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خافت منه قلوبهم {وَالصّابِرِينَ عَلَىَ مَآ أَصَابَهُمْ} أي من المصائب. قال الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن {وَالْمُقِيمِي الصّلاَةِ} قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضًا وقرأ ابن السميفع {والمقيمن الصلاة} بالنصب وعن الحسن البصري {وَالْمُقِيمِي الصّلاَةِ} وإنما حذفت النون ههنا تخفيفًا, ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة ولكن على سبيل التخفيف, فنصبت, أي المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه {وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وفقرائهم ومحاويجهم, ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله, وهذه بخلاف صفات المنافقين, فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة.
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآفّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ كَذَلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}
يقول تعالى ممتنًا على عباده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره, وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام, بل هي أفضل ما يهدى إليه, كما قال تعالى: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} الآية, قال ابن جريج, قال عطاء في قوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللّهِ} قال البقرة والبعير, وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري, وقال مجاهد: وإنما البدن من الإبل
{قلت} أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه, واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين, أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعًا كما صح الحديث, ثم جمهور العلماء على أنه تجزىء البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة, كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي البدنة عن سبعة, والبقرة عن سبعة. وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزىء البقرة والبعير عن عشرة, وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما, فالله أعلم.
وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي ثواب في الدار الآخرة, وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إهراق دم. وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها, وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض, فطيبوا بها نفسًا"رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه, وقال سفيان الثوري: كان أبو حازم يستدين ويسوق البدن, فقيل له: تستدين وتسوق البدن ؟ فقال: إني سمعت الله يقول لكم: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} . وعن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد"رواه الدارقطني في سننه. وقال مجاهد: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قال: أجر ومنافع, وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها.
وقوله: {فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآفّ} وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى, فلما انصرف أتى بكبش فذبحه, فقال:"باسم الله والله أكبر, اللهم هذا"