فهرس الكتاب
عبد الرحمن, وهو قول غريب. وقوله: {كَذَلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول تعالى من أجل هذا {سَخّرْنَاهَا لَكُمْ} أي ذللناها لكم, وجعلناها منقادة لكم خاضعة, إن شئتم ركبتم, وإن شئتم حلبتم, وإن شئتم ذبحتم, كما قال تعالى: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما علمت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون - إلى قوله - أفلا يشكرون} وقال في هذه الآية الكريمة: {كَذَلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
{لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التّقْوَىَ مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ}
يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها, فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها, فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم, ونضحوا عليها من دمائها, فقال تعالى: {لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا محمد بن أبي حماد, حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها, فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله {لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التّقْوَىَ مِنكُمْ} أي يتقبل ذلك ويجزي عليه, كما جاء في الصحيح"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". وجاء في الحديث"إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل, وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض"كما تقدم في الحديث, رواه ابن ماجه والترمذي, وحسنه عن عائشة مرفوعًا, فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا, والله أعلم.
وقال وكيع عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك: سألت عامرًا الشعبي عن جلود الأضاحي, فقال: {لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} إن شئت فبع, وإن شئت فأمسك, وإن شئت فتصدق. وقوله: {كَذَلِكَ سَخّرَهَا لَكُمْ} أي من أجل ذلك سخر لكم البدن {لِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ} أي لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله: {وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ} أي وبشر يا محمد المحسنين أي في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل.
(مسألة) وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابًا, وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضًا, واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات, عن أبي هريرة مرفوعًا:"من وجد سعة فلم يضح, فلا يقربن مصلانا"على أن فيه غرابة, واستنكره أحمد بن حنبل, وقال ابن عمر: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي, رواه الترمذي. وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية بل هي مستحبة لما جاء في الحديث:"ليس في المال حق سوى الزكاة"وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته, فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جارًا لأبي بكر وعمر, فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما, وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية, إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت, سقطت عن الباقين لأن المقصود إظهار الشعار. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن محنف بن سليم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفات:"على كل أهل"