فهرس الكتاب
ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل, وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القانع المتعفف, والمعتر السائل, وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه. وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: القانع هو الذي يقنع إليك ويسألك, والمعتر الذي يعتريك يتضرع ولا يسألك, وهذا لفظ الحسن. وقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل, قال: أما سمعت قول الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعف من القنوع
قال: يغنى من السؤال, وبه قال ابن زيد. وقال بن أسلم: القانع المسكين الذي يطوف, والمعتر الصديق والضعيف الذي يزور, وهو رواية عن ابنه عبد الله بن زيد أيضًا. وعن مجاهد أيضًا: القانع جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك, والمعتر الذي يعتزل من الناس, وعنه: أن القانع هو الطامع, والمعتر هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير, وعن عكرمة نحوه, وعنه: القانع أهل مكة, واختار ابن جرير أن القانع هو السائل, لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال, والمعتر من الاعتراء وهو الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله, وثلث يهديه لأصحابه, وثلث يتصدق به على الفقراء, لأنه تعالى قال: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ} .
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس:"إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث, فكلوا وادخروا ما بدا لكم". وفي رواية"فكلوا وادخروا وتصدقوا". وفي رواية"فكلوا وأطعموا وتصدقوا". والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف, لقوله في الآية المتقدمة: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ولقوله في الحديث:"فكلوا وادخروا وتصدقوا"فإن أكل الكل, فقيل: لا يضمن شيئًا, وبه قال ابن سريج من الشافعية. وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل يضمن نصفها وقيل ثلثها. وقيل أدنى جزء منها, وهو المشهور من مذهب الشافعي. وأما الجلود ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي"فكلوا وتصدقوا, واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها"ومن العلماء من رخص في بيعها, ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها, والله أعلم.
(مسألة) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي, ثم نرجع فننحر, فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا, ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس هو من النسك في شيء"أخرجاه, فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين, زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك لما جاء في صحيح مسلم: وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام. وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم. وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام, والله أعلم. ثم قيل: لا يشرع بالذبح إلا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار لتيسر الأضاحي عندهم, وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده, وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع, وقيل: ويومان بعده, وبه قال الإمام أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده, وبه قال الشافعي لحديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيام التشريق كلها ذبح"رواه أحمد وابن حبان. وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة, وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن