فهرس الكتاب

الصفحة 1715 من 2760

ثم سأل ههنا سؤالًا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وليس كذلك في نفس الأمر, بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم, والله أعلم.

وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا, وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها. وقوله: {إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ} هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه, أي لا يهيدنك ذلك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. قال البخاري: قال ابن عباس {فِيَ أُمْنِيّتِهِ} إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه, فيبطل الله ما يلقي الشيطان {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ} يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد {إِذَا تَمَنّىَ} يعني إذا قال, ويقال أمنيته قراءته {إلا أماني} يقولون ولا يكتبون. قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: {تمنى} أي تلا وقرأ كتاب الله {أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ } أي في تلاوته, قال الشاعر في عثمان حين قتل:

تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر

وقال الضحاك: {إذا أتمنى} إذا تلا. قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} حقيقة النسخ لغة الإزالة والرفع, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان, وأحكم الله آياته. وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} أي بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية {حَكِيمٌ} أي في تقديره وخلقه وأمره, له الحكمة التامة والحجة البالغة, ولهذا قال: {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ} أي شك وشرك وكفر ونفاق, كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله, وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} هم المنافقون, {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} هم المشركون.

وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود {وَإِنّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد, أي من الحق والصواب, {وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه, وحرسه أن يختلط به وغيره بل هو كتاب حكيم {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} . وقوله: {فَيُؤْمِنُوا بِهِ} أي يصدقوه وينقادوا له, {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي تخضع وتذل له قلوبهم, {وَإِنّ اللّهَ لَهَادِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} أي في الدنيا والآخرة, أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه, وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات, ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.

{وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فِي جَنّاتِ النّعِيمِ وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت