فهرس الكتاب

الصفحة 1716 من 2760

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم لا يزالون في مرية, أي في شك من هذا القرآن, قال ابن جريج واختاره ابن جرير. وقال سعيد بن جبير وابن زيد منه, أي مما ألقى الشيطان {حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً} قال مجاهد: فجأة, وقال قتادة {بَغْتَةً} بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم, فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وقوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر, وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد, واختاره ابن جرير. قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة, لا ليل له, وكذا قال الضحاك والحسن البصري, وهذا القول هو الصحيح, وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد, ولهذا قال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} .

وقوله: {الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يومًا على الكافرين عسيرا} {فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ} كقوله: {مالك يوم الدين} أي آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وعملوا بمقتضى ما علموا, وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم {فِي جَنّاتِ النّعِيمِ} أي لهم النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد {وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآياتِنَا} أي كفرت قلوبهم بالحق وجحدوا به, وكذبوا به وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم {فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ} أي مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق, كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي صاغرين.

{وَالّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ قُتِلُوَاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنّهُمُ اللّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ لَيُدْخِلَنّهُمْ مّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنّهُ اللّهُ إِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ}

يخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلبًا لما عنده, وترك الأوطان والأهلين والخلان, وفارق بلاده في الله ورسوله, ونصرة لدين الله ثم قتلوا, أي في الجهاد, أو ماتوا أي حتف أنفهم أي من غير قتال على فرشهم, فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل, كما قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} . وقوله: {لَيَرْزُقَنّهُمُ اللّهُ رِزْقًا حَسَنًا} أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم {وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ لَيُدْخِلَنّهُمْ مّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} أي الجنة كما قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم, كما قال ههنا: {ليرزقنّهم الله رزقًا حسنًا} ثم قال {لَيُدْخِلَنّهُمْ مّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ} أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك {حَلِيمٌ} أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب, ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه.

فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر, فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم, وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر, فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا المسيب بن واضح, حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ابن الحارث - يعني عبد الكريم - عن ابن عقبة يعني أبا عبيدة بن عقبة قال: قال حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم, فمر بي سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه, فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت