فهرس الكتاب
كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر, تشابهت قلوبهم فأهلك الله فرعون وملأه, وأغرقهم في يوم واحد أجمعين, وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة, فيها أحكامه وأوامره ونواهيه, وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر, وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين, كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .
{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليهما السلام أنه جعلهما آية للناس, أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء, فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم, وخلق حواء من ذكر بلا أنثى, وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر, وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال الضحاك عن ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض, وهو أحسن ما يكون فيه النبات, وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة.
قال ابن عباس: وقوله: {ذَاتِ قَرَارٍ} يقول ذات خصب {وَمَعِينٍ} يعني ماء ظاهرًا, وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. وقال مجاهد: ربوة مستوية, وقال سعيد بن جبير {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} استوى الماء فيها. وقال مجاهد وقتادة {وَمَعِينٍ} الماء الجاري. ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة: من أي أرض هي ؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر, والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى, ولولا الربى غرقت القرى, وروي عن وهب بن منبه نحو هذا, وهو بعيد جدًا.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: هي دمشق, قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: أنهار دمشق. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىَ رَبْوَةٍ} قال: عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها. وقال عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: {إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: هي الرملة من فلسطين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي, حدثنا رواد بن الجراح, حدثنا عبد الله بن عباد الخواص أبو عتبة, حدثنا الشيباني عن ابن وعلة عن كريب السحولي عن مرة البهذي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرجل:"إنك تموت بالربوة, فمات بالرملة", وهذا حديث غريب جدًا وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: المعين الماء الجاري, وهو النهر الذي قال الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} وكذا قال الضحاك وقتادة {إِلَىَ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} وهو بيت المقدس, فهذا - والله أعلم - هو الأظهر, لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضًا, وهذا أولى ما يفسر به, ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار.
يَأَيّهَا الرّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاتّقُونِ فَتَقَطّعُوَاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّىَ حِينٍ