فهرس الكتاب

الصفحة 1733 من 2760

غُثَآءً فَبُعْدًا لّلْقَوْمِ الظّالِمِينَ

يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنًا آخرين, قيل: المراد بهم عاد, فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم, وقيل: المراد بهؤلاء ثمود لقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} وأنه تعالى أرسل فيهم رسولًا منهم, فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له, فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرًا مثلهم, واستنكفوا عن اتباع رسول بشري, وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني وقالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} أي بعيد بعيد ذلك {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} أي فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم, فأجاب دعاءه {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} أي بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} أي وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم, والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} . وقوله: {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} أي صرعى هلكى كغثاء السيل, وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه , {فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} كقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} أي بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله, فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.

{ثُمّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ثُمّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلّ مَا جَآءَ أُمّةً رّسُولُهَا كَذّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لّقَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ}

يقول تعالى: {ثُمّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ} أي أممًا وخلائق {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} يعني بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ, وعلمه قبل كونهم أمة بعد أمة, وقرنًا بعد قرن, وجيلًا بعد جيل, وخلفًا بعد سلف, {ثُمّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} قال ابن عباس يعني يتبع بعضهم بعضًا, وهذا كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} . وقوله: {كُلّمَا جَآءَ أُمّةً رّسُولُهَا كَذّبُوهُ} يعني جمهورهم وأكثرهم, كقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} . وقوله: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} أي أهلكناهم كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} . وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي أخبارًا وأحاديث للناس كقوله: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} .

{ثُمّ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ فَكَذّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ لَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ}

يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات, وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما لكونهما بشرين,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت