فهرس الكتاب

الصفحة 1748 من 2760

هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك, فقال تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ} أي قد أرسلت إليكم الرسل, وأنزلت عليكم الكتب, وأزلت شبهكم, ولم يبق لكم حجة, كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - إلى قوله - فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} ولهذا قالوا: {رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنّا قَوْمًا ضَآلّينَ} أي قد قامت علينا الحجة, ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها, فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: {رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالِمُونَ} أي ارددنا إلى الدنيا, فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة, كما قال: {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ - إلى قوله - فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} أي لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.

{قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّىَ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنّهُمْ هُمُ الْفَآئِزُونَ}

هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول {اخْسَئُواْ فِيهَا} أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء, {وَلاَ تُكَلّمُونِ} أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي عن ابن عباس {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبدة بن سليمان المروزي, حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا, ثم يرد عليهم إنكم ماكثون, قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك, ثم يدعون ربهم فيقولون {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} قال: فو الله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة, وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم, قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.

وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل, حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدًا يعني من جهنم, غير وجوههم وألوانهم, فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب, فيقول الله: من عرف أحدًا فليخرجه, فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدًا, فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان, فيقول ما أعرفك, قال: فعند ذلك يقولون {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فعند ذلك يقول الله تعالى: {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد.

ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه, فقال تعالى: {إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي {حَتّىَ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت