فهرس الكتاب
{وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مّا يَكُونُ لَنَآ أَن نّتَكَلّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ وَيُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير, أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرًا, وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك, ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالًا, فلا ينبغي أن يتكلم به, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل"أخرجاه في الصحيحين. وقال الله تعالى: {وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مّا يَكُونُ لَنَآ أَن نّتَكَلّمَ بِهَذَا} أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله.
ثم قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا} أي ينهاكم الله متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدًا أي فيما يستقبل, فلهذا قال {إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه, وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم, فأما من كان متصفًا بالكفر فذاك حكم آخر, ثم قال تعالى: {وَيُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات} أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية {وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بما يصلح عباده, حكيم في شرعه وقدره.
{إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا وَالآخرة وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}
هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئًا من الكلام السيء, فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه, فقد قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا} أي بالحد, وفي الآخرة بالعذاب الأليم {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي فردوا الأمور إليه ترشدوا. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكير, حدثنا ميمون بن موسى المرئي, حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم, ولا تطلبوا عوراتهم, فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته, حتى يفضحه في بيته".
{وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنّ اللّهَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ وَمَن يَتّبِعْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
يقول الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنّ اللّهَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} أي لولا هذا لكان أمر آخر, ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم, فتاب على من تاب إليه من هذه القضية, وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم, ثم قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به {وَمَن يَتّبِعْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ} عمله. وقال