يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثًا, ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي, ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني, ولقد رددت عليك ولم أسمعك, وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة, ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل نبي الله, فلما فرغ قال:"أكل طعامكم الأبرار, وصلت عليكم الملائكة, وأفطر عندكم الصائمون".
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال:"السلام عليكم ورحمة الله"فرد سعد ردًا خفيًا, قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: دعه يكثر علينا من السلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"السلام عليكم ورحمة الله"فرد سعد ردًا خفيًا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"السلام عليكم ورحمة الله"ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم, واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًا خفيًا لتكثر علينا من السلام. قال فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل, ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس, فاشتمل بها ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول:"اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". قال: ثم أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام, فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارًا قد وطىء عليه بقطيفة, فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال قيس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اركب"فأبيت, فقال:"إما أن تركب وإما أن تنصرف"قال: فانصرفت, وقد روي هذا من وجوه أخر, فهو حديث جيد قوي, والله أعلم.
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه, ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية, حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بُشر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه, ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر, ويقول:"السلام عليكم, السلام عليكم"وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور, تفرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا جرير - (ح) - حينئذ, قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل, قال عثمان: سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام على الباب قال عثمان: مستقبل الباب, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"هكذا عنك - أو هكذا - فإنما الاستئذان من النظر"وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم, رواه أبو داود من حديثه, وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه, ما كان عليك من جناح"وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب, فقال:"من ذا ؟"فقلت: أنا, قال:"أنا أنا"كأنه كرهه, وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها, وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا, فلا يحصل بها المقصود من الإستئذان الذي هو الإستئناس المأمور به في الآية, وقال العوفي عن ابن عباس: الإستئناس الإستئذان, وكذا قال غير واحد,
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ} قال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا, وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - عن سعيد عن ابن عباس بمثله, وزاد: كان ابن عباس