فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 2760

المؤمنين قوم ذلل, ذلت منهم - والله - الأسماع والأبصار والجوارح, حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض, وإنهم والله أصحاء, ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم, ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة, فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن, أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس, ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة, ولكن أبكاهم الخوف من النار, إنه من لم يتعز بعزاء الله, تقطع نفسه على الدنيا حسرات, ومن لم ير لله نعمةً إلا في مطعم أو مشرب, فقد قل علمه وحضر عذابه.

وقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء لم يقابلوهم عليه بمثله, بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا, كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلمًا, وكما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} الآية. وروى الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي, عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسب رجل رجلًا عنده, فجعل قال: المسبوب يقول: عليك السلام, الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إن ملكًا بينكما يذب عنك, كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به, وإذا قلت له وعليك السلام, قال: لا بل عليك وأنت أحق به". إسناده حسن, ولم يخرجوه.

وقال مجاهد {قَالُوا سَلامًا} يعني قالوا سدادًا. وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول. وقال الحسن البصري: {قَالُوا سَلامًا} حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا, يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون, ثم ذكر أن ليلهم خير ليل, فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} أي في طاعته وعبادته, كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وقوله {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} الآية, وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} الآية, ولهذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} أي ملازمًا دائمًا, كما قال الشاعر:

إن يعذب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلًا فإنه لا يبالي

ولهذا قال الحسن في قوله {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه, فليس بغرام, وإنما الغرام الملازم ما دامت السموات والأرض, وكذا قال سليمان التيمي. وقال محمد بن كعب {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} يعني ما نعموا في الدنيا, إن الله تعالى سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه, فأغرمهم فأدخلهم النار {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} أي بئس المنزل منظرًا, وبئس المقيل مقامًا, وقال ابن أبي حاتم عند قوله {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها, فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف, قال: فيسقى كأسًا من سم الأساود والعقارب, قال: فيميز الجلد على حدة, والشعر على حدة, والعصب على حدة, والعروق على حدة. وقال أيضًا: حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد, عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لبابًا فيها حيات أمثال البخت, وعقارب أمثال البغال الدلم, فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها, فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم, فكشطت لحومهم إلى أقدامهم, فإذا وجدت حر النار رجعت.

وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى, حدثنا سلام يعني ابن مسكين, عن أبي ظلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن عبدًا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان, فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا, فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون, فيرجع إلى ربه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت