نهوا عنه وإنهم لكاذبون, وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد لآية, أي لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
{كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ}
هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام, وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد, فبعثه الله ناهيًا عن ذلك ومحذرًا من وبيل عقابه, فكذبه قومه, فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزل الله تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل, فلهذا قال تعالى: {كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ} أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره { إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي إني رسول من الله إليكم, أمين فيما بعثني الله به, أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها {فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} الآية, أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم, بل أدّخر ثواب ذلك عند الله {فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ} فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه.
{قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتّبَعَكَ الأرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاّ عَلَىَ رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مّبِينٌ}
يقولون: لا نؤمن لك, ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل, الذين اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا, ولهذا { قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتّبَعَكَ الأرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي ؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه, لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص, إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي, وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل { يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاّ عَلَىَ رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه, فأبى عليهم ذلك وقال {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مّبِينٌ} أي إنما بعثت نذيرًا, فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه, سواء كان شريفًا أو وضيعًا, أو جليلًا أو حقيرًا.
{قَالُواْ لَئِنْ لّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُجْرِمِينَ قَالَ رَبّ إِنّ قَوْمِي كَذّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجّنِي وَمَن مّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ}
لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم, يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا, وسرًا وجهارًا, وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد, وقالوا في الآخر لَئِنْ لّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنّ مِنَ