فهرس الكتاب

الصفحة 1857 من 2760

هل رأيت بؤسًا قط ؟ فيقول: لا والله يا رب"أي ما كأن شيئًا كان. ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:"

كأنك لم تؤثر من الدهر ليلة ... إذا أنت أدركت الذي أنت تطلب

ثم قال تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم, والإنذار لهم, وبعثة الرسل إليهم, وقيام الحجة عليهم, ولهذا قال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} كما قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقال تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا - إلى قوله - وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} .

{وَمَا تَنَزّلَتْ بِهِ الشّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنّهُمْ عَنِ السّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}

يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله {وَمَا تَنَزّلَتْ بِهِ الشّيَاطِينُ} ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم, أي ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم, لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد, وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونور وهدى وبرهان عظيم, فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة, ولهذا قال تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} .

وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} أي ولو انبغى لهم ما استطاعوا ذلك, قال الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته, لما وصلوا إلى ذلك, لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله, لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا في مدة إنزال القرآن على رسول الله, فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر, وهذا من رحمة الله بعباده, وحفظه لشرعه, وتأييده لكتابه ولرسوله, ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} كما قال تعالى مخبرًا عن الجن {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا - إلى قوله - أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} .

{فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذّبِينَ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ وَتَوكّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرّحِيمِ الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}

يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له, ومخبرًا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرًا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين, أي الأدنين إليه, وأنه لا يخلص أحدًا منهم إلا إيمانه بربه عز وجل, وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين, ومن عصاه من خلق الله كائنًا من كان فليتبرأ منه, ولهذا قال تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ} وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها, كما قال تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} , وقال تعالى: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} , وقال تعالى: { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} , وقال تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} , كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت