يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانًا وإيقانًا وتصديقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه, ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جهرة على الصفا, وإنذاره لبطون قريش عمومًا وخصوصًا, حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته لينبه بالأدنى على الأعلى, أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق عمرو بن سمرة, عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء رضي الله عنه يحدث الناس ويفتيهم, وولده إلى جنبه, وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون, فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم, وأهل بيتك جلوس لاهين ؟ فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أزهد الناس في الدنيا الأنبياء, وأشدهم عليهم الأقربون"وذلك فيما أنزل الله عز وجل, قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - إلى قوله - فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .
وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} أي في جميع أمورك, فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك. وقوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي هو معتن بك كما قال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} قال ابن عباس {الذي يراك حين تقوم} يعني إلى الصلاة. وقال عكرمة يرى قيامه وركوعه وسجوده. وقال الحسن {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} إذا صليت وحدك, وقال الضحاك {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة {الَّذِي يَرَاكَ} قائمًا وجالسًا وعلى حالاتك.
وقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال قتادة {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال: في الصلاة يراك وحدك, ويراك في الجمع, وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه, ويشهد لهذا ما صح في الحديث"سووا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري"وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيًا. وقوله تعالى: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال عباده, العليم بحركاتهم وسكناتهم, كما قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} الآية.
{هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىَ مَن تَنَزّلُ الشّيَاطِينُ تَنَزّلُ عَلَىَ كُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}
يقول تعالى مخاطبًا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحق, وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه, أو أنه أتاه به رئي من الجان, فنزه الله سبحانه وتعالى جناب رسوله عن قولهم وافترائهم, ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله, وأنه تنزيله ووحيه, نزل به ملك كريم أمين عظيم, وأنه ليس من قبل الشياطين, فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة, ولهذا قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبّئُكُمْ} أي أخبركم {عَلَىَ مَن تَنَزّلُ الشّيَاطِينُ تَنَزّلُ عَلَىَ كُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ} أي كذوب في قوله وهو الأفاك {أَثِيمٍ} وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من