فهرس الكتاب

الصفحة 1890 من 2760

النداء الأول عن سؤال التوحيد, وهذا فيه إثبات النبوات, ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم, وكيف كان حالكم معهم ؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك, ومن نبيك, وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله, وأن محمدًا عبده ورسوله, وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري, ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت, لأن من كان في هذه أعمى, فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا, ولهذا قال تعالى: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج, فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} أي في الدنيا {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} أي يوم القيامة وعسى من الله موجبة, فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة.

{وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ وَرَبّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَهُوَ اللّهُ لآ إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الاُولَىَ وَالآخرة وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار, وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب, قال تعالى: {وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} أي ما يشاء, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, فالأمور كلها خيرها وشرها بيده, ومرجعها إليه, وقوله: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} نفي على أصح القولين, كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وقد اختار ابن جرير أن {ما} ههنا بمعنى الذي تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة, وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح, والصحيح أنها نافية, كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضًا. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار, وأنه لا نظير له في ذلك, ولهذا قال {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.

ثم قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي يعلم ما تكن الضمائر, وما تنطوي عليه السرائر, كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} . وقوله {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي هو المنفرد بالإلهية, فلا معبود سواه, كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} أي في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته {وَلَهُ الْحُكْمُ} أي الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي جميعكم يوم القيامة, فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر, ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الْلّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت