فهرس الكتاب

الصفحة 1891 من 2760

يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة, لأضر ذلك بهم, ولسئمته النفوس وانحصرت منه, ولهذا قال تعالى: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} أي تبصرون به وتستأنسون بسببه {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمدًا, أي دائمًا مستمرًا إلى يوم القيامة, لأضر ذلك بهم, ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال, ولهذا قال تعالى: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} أي تستريحون من حركاتكم وأشغالكم {أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رّحْمَتِهِ} أي بكم {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي خلق هذا وهذا {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي في الليل {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي في النهار بالأسفار والترحال, والحركات والأشغال, وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار, ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار, أو بالنهار استدركه بالليل, كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} والآيات في هذا كثيرة.

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوَاْ أَنّ الْحَقّ لِلّهِ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}

وهذا أيضًا نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهًا آخر, يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي في دار الدنيا {وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيدًا} قال مجاهد: يعني رسولًا {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء {فَعَلِمُوَاْ أَنّ الْحَقّ لِلّهِ} أي لا إله غيره, فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابًا {وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ذهبوا فلم ينفعوهم.

{إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ}

قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال {إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ} قال: كان ابن عمه, وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عم موسى عليه السلام. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام, قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه, والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى, وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة, ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري, فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرًا طولًا ترفعًا على قومه.

وقوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ} أي الأموال {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} أي ليثقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت