فهرس الكتاب

الصفحة 1979 من 2760

وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك كنا فعلنا وفعلنا, فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك, لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا, وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا, وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا, وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه, فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِن بيوتنا عورة وما هي بعورة, فما يستأذنه أحد منهم إِلا أذن له, ويأذن لهم فيتسللون, ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إِذ استقبلنا رسول الله رجلًا رجلًا, حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إِلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي, قال: فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي فقال:"من هذا ؟"فقلت: حذيفة. قال:"حذيفة ؟"فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يارسول الله كراهية أن أقوم, فقمت فقال:"إِنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم"قال: وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قهرًا. قال: فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته"قال: فو الله ما خلق الله تعالى فزعًا ولا قرًّا في جوفي إِلا خرج من جوفي, فما أجد فيه شيئًا, قال: فلما وليت, قال صلى الله عليه وسلم:"يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتني"قال: فخرجت حتى إِذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد, فإِذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته, ويقول: الرحيل الرحيل, ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك, فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار, فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني"قال: فأمسكت ورددت سهمي إِلى كنانتي, ثم إِني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر, فإِذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإِذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا, فو الله إِني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفَرَسَتْهم, الريح تضربهم بها, ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحوًا من ذلك إِذ أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمين, فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم, فرجعت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملته يصلي, فو الله ما عدا أن رجعت راجعني القر, وجعلت أقرقف فأومأ إِلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي, فدنوت منه فأسبل عليّ شملته, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر صلى, فأخبرته خبر القوم, وأخبرته أني تركتهم يرتحلون, وأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} وأخرج أبو داود في سننه منه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر صلى, من حديث عكرمة بن عمار به.

وقوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} أي الأحزاب {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي شدة الخوف والفزع {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين, وأن الله سيفعل ذلك. وقال محمد بن إِسحاق في قوله تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق, حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر, وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إِلى الغائط.

وقال الحسن في قوله عز وجل { وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ظنون مختلفة, ظن المنافقون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت