فهرس الكتاب

الصفحة 2134 من 2760

ولهذا قال تعالى: { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها.

{وَإِنّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىَ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتّعْنَاهُمْ إِلَىَ حِينٍ}

قد تقدمت قصة يونس عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"ونسبه إلى أمه وفي رواية إلى أبيه. وقوله تعالى: { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الموقر أي المملوء بالأمتعة { فَسَاهَمَ } أي قارع { فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } أي المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقي في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس عليه السلام فلا يهشم له لحمًا ولا يكسر له عظمًا فجاء ذلك الحوت وألقى يونس عليه السلام نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه يا رب اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل ثلاثة أيام قاله قتادة. وقيل سبعة قاله جعفر الصادق رضي الله عنه، وقيل أربعين يومًا قاله أبو مالك. وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أمية بن أبي الصلت:

وأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات في أضعاف حوت لياليا

وقوله تعالى: { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صح الخبر، وفي حديث ابن عباس"تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } يعني المصلين، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل المراد { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } هو قوله عز وجل { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } قاله سعيد بن جبير وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه - ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال اللهم لا إله إلا أنت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت