تُصِبْهُمْ يعني الناس { سَيِّئَةٌ } أي جدب وبلاء وشدة { فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ } أي يجحد ما تقدم من النعم ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء:"يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"فقالت امرأة: ولم يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يومًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط"وهذا حال أكثر النساء، إلا من هداه الله تعالى وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن".
{لِلّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء { يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا } أي يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط عليه الصلاة والسلام. { إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذّكُورَ } أي يرزقه البنين فقط، قال البغوي: كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لم يولد له أنثى { أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } أي يعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى أي هذا وهذا، قال البغوي: كمحمد صلى الله عليه وسلم { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } أي لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى عليهما السلام، فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد له. { إِنَّهُ عَلِيمٌ } أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام { قَدِيرٌ } أي على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله تبارك وتعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } أي دلالة على قدرته تعالى وتقدس حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم عليه الصلاة والسلام مخلوق من تراب لا من ذكر وأنثى، وحواء عليها السلام مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى عليه السلام من ذكر وأنثى، وعيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } فهذا المقام في الآباء والمقام الأول في الأبناء وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نّهْدِي بِهِ مَن نّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلاَ إِلَى اللّهِ تَصِيرُ الأمور}
هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جنات الله عز وجل، وهو أنه تبارك وتعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: