مكانك فأقرئهم كتاب الله"فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أمعك ماء ؟"قلت: لا. قال:"أمعك نبيذ ؟"قلت: نعم فتوضأ به."
(طريق أخرى مرسلة) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ } قال هم اثنا عشر ألفًا جاؤوا من جزيرة الموصل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه:"أنظرني حتى آتيك"وخط عليه خطًا وقال:"لا تبرح حتى آتيك"فلما خشيهم ابن مسعود رضي الله عنه كاد أن يذهب، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة".
(طريق أخرى مرسلة أيضًا) : قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:"إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني ؟"فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود رضي الله عنه أخو هذيل، قال فدخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبًا يقال له شعب الحجون وخط عليه، وخط على ابن مسعود رضي الله عنه خطًا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطًا شديدًا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق"رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
فهذه الطرق كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصدًا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فإنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه صلى الله عليه وسلم ابن مسعود رضي الله عنه ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير {قل أوحي إِلي} من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود رضي الله عنه ممن لم يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي،: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا فقال:"من هذا ؟"قال: أنا أبو هريرة. قال صلى الله عليه وسلم:"ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة"فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعامًا"أخرجه البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبًا منه، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك.