فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 2760

ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الكبر بطر الحق وغمص الناس - ويروى - وغمط الناس"والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} فنص على نهي الرجال، وعطف نهي النساء. وقوله تبارك وتعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال عز وجل: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغيًا عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال، ولهذا قال ههنا: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} كما قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضًا. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا يطعن بعضكم على بعض، وقوله تعالى: {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} أي لا تداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال فينا نزلت في بني سلمة {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحدًا منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به. وقوله جل وعلا: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ} أي بئس الصفة والاسم الفسوق. وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ} أي من هذا {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ}

يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليتجنب كثير منه احتياطًا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا. وقال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:"ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا"تفرد به ابن ماجة من هذا الوجه، وقال مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولاتحسسوا ولا تنافسوا ولاتحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا"رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن العتبي عن مالك به.

وقال سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت