قلت: وقد روي موقوفًا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم هو في شأن قال"يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا"ثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهَا الثّقَلاَنِ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ}
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهَا الثّقَلاَنِ} قال: وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ، وكذا قال الضحاك: هذا وعيد، وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه، وقال ابن جريج {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} أي سنقضي لكم، وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال لأتفرغن لك وما به شغل، يقول: لأخذنك على غرتك. وقوله تعالى: {أَيُّهَا الثَّقَلانِ} الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح:"ويسمعها كل شيء إلا الثقلين"وفي رواية"إلا الإنس والجن". وفي حديث الصور"الثقلان الإنس والجن" {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . ثم قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} أي لا تستطيعون هربًا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب {لَّا بِسُلْطَانٍ} أي إلا بأمر الله {يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ولهذا قال تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الشواظ: هو لهب النار، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الشواظ الدخان، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وقال أبو صالح: الشواظ هو اللهب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك {شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} سيل من نار. وقوله تعالى: {وَنُحَاسٌ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَنُحَاسٌ} دخان النار، وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان. وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاسًا، بضم النون وكسرها، والقراء مجمعة على الضم، ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة:
يضيء كضوء سراج السليـ
ـط لم يجعل الله فيه نحاسًا
يعني دخانًا هكذا قال، وقد روى الطبراني من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدًا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية