كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار - عياذًا بالله من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه عز وجل، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددًا من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} الآية. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} قال: هي التي في سورة الملائكة {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} . وقال ابن جريج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة، وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} قال: أصنافًا ثلاثة. وقال مجاهد {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} يعني فرقًا ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجًا ثلاثة، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} اثنان في الجنة وواحد في النار. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: الضرباء، كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} قال: هم الضرباء.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} فقبض بيده قبضتين فقال:"هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي"وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم"وقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} هم الأنبياء عليهم السلام. وقال السدي: هم أهل عليين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى ومؤمن آل يس، سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن هارون الفلاس عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزار، عن شعيب بن الضحاك المدائني عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به.
وقال ابن أبي حاتم وذكر عن محمد بن أبي حماد: حدثنا مهران عن خارجة عن قرة عن ابن سيرين {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} الذين صلوا إلى القبلتين ورواه ابن جرير من حديث خارجة به. وقال الحسن وقتادة {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} أي من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} ثم قال: أولهم رواحًا إلى المسجد وأولهم خروجًا في سبيل الله، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} وقال فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ