فيها قالوا هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة"وقال الثوري عن ليث عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفًا. ثم قال تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ} قرىء بكسر القاف أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها أي ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} وهم الأمم المكذبون بالرسل {بِالْخَاطِئَةِ} وهي التكذيب بما أنزل الله قال الربيع: {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} وهذا جنس أي كل كذب رسول الله إليهم كما قال تعالى {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ولهذا قال ههنا: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} أي عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: رابية شديدة، وقال السدي: مهلكة."
ثم قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ} أي زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود، وقال ابن عباس وغيره: طغى الماء كثر، وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان عن غير واحد عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ} أي زاد على الحد بإذن الله {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة} ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله تعالى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} أي عتت على الخزان، ولهذا قال تعالى ممتنًا على الناس: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} وهي السفينة الجارية على وجه الماء {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار كما قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} . وقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر ولهذا قال تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} سمعتها أذن ووعت أي من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولًا يقول: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سألت ربي أن يجعلها أذن علي"قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به وهو حديث مرسل. وقد قال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد يعني والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي"إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي"