{إِنّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسّهُ الشّرّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاّ الْمُصَلّينَ الّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالّذِينَ يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدّينِ وَالّذِينَ هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مّشْفِقُونَ إِنّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاّ عَلَىَ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَأِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىَ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ وَالّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِي جَنّاتٍ مّكْرَمُونَ}
يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة {إِنّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ثم فسره بقوله: {إِذَا مَسّهُ الشّرّ جَزُوعًا} أي إذا مسه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير {وَإِذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا} أي إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شر ما في رجل: شح هالع وجبن خالع"ورواه أبو داود عن عبد الله بن الجراح عن أبي عبد الرحمن المقري به وليس لعبد العزيز عنده سواه ثم قال تعالى: {إِلاّ الْمُصَلّينَ} أي الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، إلا من عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون. {الّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} قيل: معناه يحافظون على أوقاتهاوواجباتها، قاله ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي، وقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} قاله عقبة بن عامر: ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته، لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته، وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"وفي لفظ"ما دام عليه صاحبه"قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا داوم عليه، وفي لفظ أثبته، وقال قتادة في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} ذكر لنا أن دانيال عليه السلام نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يصلون صلاة لو صلاّها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} أي خائفون وجلون { إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } أي لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك وتعالى. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} أي يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه ولهذا قال تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي من الإماء {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} وقد