تقدم تفسير هذا في أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان"وفي رواية"إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} أي محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} سواء ولهذا قال هناك: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وقال ههنا: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} أي مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.
{فَمَالِ الّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ عِزِينَ أَيَطْمَعُ كُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنّةَ نَعِيمٍ كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنّا لَقَادِرُونَ عَلَىَ أَن نّبَدّلَ خَيْرًا مّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتّىَ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنّهُمْ إِلَىَ نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ}
يقول تعالى منكرًا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه متفرقون عنه، شاردون يمينًا وشمالًا فرقًا فرقًا، وشيعًا شيعًا، كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} الآية. وهذه مثلها فإنه قال تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} أي فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين أي مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: مهطعين أي منطلقين {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} واحدها عزة أي متفرقين، وهو حال من مهطعين أي في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب وقال العوفي عن ابن عباس {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} ، قال قبلك ينظرون {عن اليمين وعن الشمال عزين} قال: العزين العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة عن الحسن في قوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} أي متفرقين يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة {مُهْطِعِينَ} عامدين {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} أي فرقًا حول النبي صلى الله عليه وسلم لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه صلى الله عليه وسلم وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم حلق فقال:"ما لي أراكم عزين؟"رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير من حديث الأعمش به، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق فقال:"ما لي أراكم عزين؟"