تَبْتِيلًا أي أخلص له العبادة، وقال الحسن: اجتهد وأبتل إليه نفسك. وقال ابن جرير: يقال للعابد متبتل، ومنه الحديث المروي: نهى عن التبتل يعني الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج. وقوله تعالى: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } أي هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل فاتخذه وكيلًا كما قال تعالى في الآية الأخرى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } وكقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله وتخصيصه بالتوكل عليه.
{وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا وَذَرْنِي وَالْمُكَذّبِينَ أُوْلِي النّعْمَةِ وَمَهّلْهُمْ قَلِيلًا إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مّهِيلًا إِنّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَىَ فِرْعَوْنُ الرّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا فَكَيْفَ تَتّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا}
يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا وهو الذي لا عتاب معه ثم قال له متهددًا لكفار قومه ومتوعدًا، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ } أي دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم { وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا } أي رويدًا كما قال تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } ، ولهذا قال ههنا: { إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا } وهي القيود، قاله ابن عباس وعكرمة وطاوس ومحمد بن كعب وعبد الله بن بريدة وأبو عمران الجوني وأبو مجلز والضحاك وحماد بن أبي سليمان وقتادة والسدي وابن المبارك والثوري وغير واحد { وَجَحِيمًا } وهي السعير المضطرمة { وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ } قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج { وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ } أي تزلزل { وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا } أي تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء ثم إنها تنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب حتى تصير الأرض قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا أي واديًا ولا أمنًا أي رابية، ومعناه لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع، ثم قال تعالى مخاطبًا لكفار قريش والمراد سائر الناس: { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ } أي بأعمالكم { كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والثوري { أَخْذًا وَبِيلًا } أي شديدًا أي فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى: { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى } وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم، لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، ويروى عن ابن عباس ومجاهد.
وقوله تعالى: { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا } يحتمل أن يكون يومًا معمولًا لتتقون كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود فكيف تخافون أيها الناس يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؟ ويحتمل أن يكون معمولًا لكفرتم فعلى الأول كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع