الرياح إذا هبت بتصويت وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل وقوله تعالى { فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } يعني الملائكة قاله بن مسعود وبن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري ولا خلاف ها هنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل والهدى والغي والحلال والحرام وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره وقوله تعالى { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ } هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام أي ما وعدتم به من قيام الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر إن هذا كله لواقع أي لكائن لا محالة ثم قال تعالى: { فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ } أي ذهب ضوءها كقوله تعالى { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } وكقوله تعالى: { وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ } { وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ } أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها { وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ } أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى: { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا } الآية وقال تعالى { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } وقوله تعالى { وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } قال العوفي عن بن عباس جمعت وقال بن زيد وهذه كقوله تعالى { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ } وقال مجاهد { أُقِّتَتْ } أجلت وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم { أُقِّتَتْ } أوعدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } ثم قال تعالى { لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجىء أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى { فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } وهو يوم الفصل كما قال تعالى { يَوْمُ الْفَصْلِ } ثم قال تعالى معظما لشأنه { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } أي ويل لهم من عذاب الله غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح.
{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ 16} ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ {17} كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ {18} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ {19} أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ {20} فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {21} إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ {22} فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ {23} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ {24} أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا {25} أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا {26} وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا {27} وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
يقول تعالى { أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ } يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ } أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } قاله بن جرير ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا على الإعادة بالبداءة { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ } أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل كما تقدم في سورة يس في حديث بشر بن جحاش بن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه { فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} يعني جمعناه في الرحم وهو قرار الماء من الرجل والمرأة والرحم معد لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء وقوله تعالى { إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } يعني إلى مدة