مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الاَلهة التي عبدت فإني قاتلكم، فأبوا عليه فخد أخدودًا من نار وقال لهم الجبار ووقفهم عليها: اختاروا هذه أو الذي نحن فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا، وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية، فقالوا لهم أي آباؤهم لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله عز وجل: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ورواه ابن جرير: حدثت عن عمار عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه. وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } أي حرقوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا } أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا { َلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
{إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ إِنّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعّالٌ لّمَا يُرِيدُ هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ وَاللّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مّحْفُوظٍ}
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن { لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ } بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: { ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } ثم قال تعالى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } أي من قوته وقدرته التامة يبدىء الخلق ويعيده كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ } أي يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان، والودود قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب { ذُو الْعَرْشِ } أي صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، والمجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب عز وجل، والجر على أنه صفة للعرش وكلاهما معنى صحيح { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } أي مهما أراد فعله لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا فما قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد. وقوله تعالى: { إن بطش ربك فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذًا أليمًا شديدًا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ } فقام يستمع فقال:"نعم قد جاءني"وقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} أي هم