فهرس الكتاب

الصفحة 2708 من 2760

تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا, بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم واختلفوا اختلافًا كثيرًا, كما جاء في الحديث المروي من طرق:"إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة, وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة, وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي".

وقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } كقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ولهذا قال: { حُنَفَاءَ } أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته ههنا { وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ } وهي أشرف عبادات البدن { وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج { وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة, وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الاَية الكريمة أن الأعمال داخلة في الإيمان, ولهذا قال: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} .

{إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلََئِكَ هُمْ شَرّ الْبَرِيّةِ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُوْلََئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رّضِىَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبّهُ}

يخبر تعالى عن مآل الفجار من أهل الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة في نار جهنم خالدين فيها أي ماكثين لا يحولون عنها ولا يزولون { أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } أي شر الخليقة التي برأها الله وذرأها ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية, وقد استدل بهذه الاَية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله: { أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } ثم قال تعالى: { جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } أي يوم القيامة { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم { وَرَضُوا عَنْهُ } فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه, وعبده كأنه يراه وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة, عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بخير البرية؟"قالوا بلى يا رسول الله. قال:"رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟"قالوا: بلى يا رسول الله. قال:"رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟"قالوا: بلى قال:"الذي يسأل بالله ولا يعطي به".

آخر تفسير سورة لم يكن, ولله الحمد والمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت