قوله: { أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ } قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان بن فلان وفلان, وقال الاَخرون مثل ذلك, تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور, ومثل فلان, وفعل الاَخرون مثل ذلك فأنزل الله { أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل وقال قتادة: { أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان, ونحن أعد من بني فلان, وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم, والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم, والصحيح أن المراد بقوله: زرتم المقابر أي صرتم إليها ودفنتم فيها, كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده فقال:"لابأس طهور إن شاء الله"فقال: قلت طهور بل هي حمى تفور, على شيخ كبير, تزيره القبور, قال:"فنعم إذن". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني, أخبرنا حكام بن سالم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت { أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } ورواه الترمذي عن أبي كريب عن حكام بن سالم به, وقال غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سلمة بن داود العرضي, حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ { أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة, وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار, وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلًا يتلو هذه الاَية: حتى زرتم المقابر, فقال بعث اليوم ورب الكعبة أي إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.
وقوله تعالى: { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } قال الحسن البصري هذا, وعيد, وقال الضحاك: { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني أيها الكفار { ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني أيها المؤمنون, وقوله تعالى: { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الاَخرة حتى صرتم إلى المقابر, ثم قال: { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } هذا تفسير الوعيد المتقدم, وهو قوله: { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } توعدهم بهذا الحال, وهو رؤية أهل النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك, وقوله تعالى: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا زكريا بن يحيى الجزار المقري, حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الجزار, حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال:"ما أخرجك هذه الساعة"فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول صلى الله عليه وسلم. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال:"ما أخرجك يا ابن الخطاب"قال أخرجني الذي أخرجكما, قال: فقعد عمر وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما ثم قال:"هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًا"قلنا: نعم. قال:"مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري"قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات, وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد أن يزيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام, فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن