عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم وقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القارى قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} الآية، فقالا: ذلك في اليتيم أن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء، وهذا بعيد من السياق، لأنه قال {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} يعني من الأولياء. {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا} أي منهم {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} أي بالتي هي أحسن كما قال في الآية الأخرى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف وقوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذٍ سلموا إليهم أموالهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم {فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه، ثم قال: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} أي وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم للأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها ؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم".
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} الآية، أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت أم كُجّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} الآية، وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم، وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} الآية، قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإسلام، وقيل يستحب. واختلفوا هل هو منسوخ أم لا على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عُبيد الله الأشجعي عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} . قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه