فهرس الكتاب

الصفحة 913 من 2760

كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ أي فاعبدوه وحده، لا شريك له، وأقروا له بالواحدنية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار، وقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} فيه أقوال للأئمة من السلف

(أحدها) لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية على الله، فإن الله تعالى قال: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} رواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم أن شاء الله.

وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} قال هذا في الدنيا، وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة،

وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال تعالى عن الكافرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} قال الإمام الشافعي: فدل هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجريج، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.

وقيل المراد بقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار} أي العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارى أهل مكة، أنه قال ذلك، وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو ؟ فقيل معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلاّ هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. قال ابن علية في الآية: هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم.

وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وفي صحيح مسلم:"لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا. قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال لا يحيط بصر أحد بالملك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} قال ألست ترى السماء ؟ قال بلى، قال فكلها ترى، وقال سعيد بن أبي عروبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت