فهرس الكتاب

الصفحة 914 من 2760

عن قتادة في الآية {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.

وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به، من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال:"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا، ما أحاطوا بالله أبدًا"غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.

وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضًا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} الآية، فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية لا يقوم له شيء، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي معنى هذا الأمر، ما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا:"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"وفي الكتب المتقدمة: أن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي تدعثر، وقال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار.

ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء، وقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها، كما قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين، كما قال السدي: في قوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق، وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} قال اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان، فيما وعظ به ابنه {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}

{ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وَكَذَلِكَ نُصَرّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}

البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت