اللَّهُ أي أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} .
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مّقْتَرِفُونَ}
يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا} الآية، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} الآية، وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وقوله: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ} بدل من { عَدُوًّا} أي لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم، قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ} قال من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر، كان يومًا يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن"فقال: أو أن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم"وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر. وقد روي من وجه آخر، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس، قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال:"يا أبا ذر هل صليت"قلت: لا يا رسول الله، قال:"قم فاركع ركعتين"قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال:"يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن"قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين ؟ قال:"نعم هم شر من شياطين الجن"وهذا أيضًا فيه انقطاع, وروي متصلًا.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال:"يا أبا ذر هل صليت ؟"قلت: لا، قال:"قم فصلّ"قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال:"يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن"قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين ؟ قال:"نعم"وذلك تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي به.
(طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن"قال: قلت: يا رسول الله هل للإنس من شياطين ؟ قال:"نعم".