هذا إباحة من الله، لعباده المؤمنين، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه، قرأ بعضهم فصل بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح، {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم، ثم بين تعالى جهالة المشركين، في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال {وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم أن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.
{وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ أن الّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ}
قال مجاهد {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} المعصية في السر والعلانية، وفي رواية عنه، هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} أي سره وعلانيته قليلة وكثيرة، وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان، وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم، والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الآية، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} أي سواء كان ظاهرًا أو خفيًا، فإن الله سيجزيهم عليه، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم، فقال:"الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه".
{وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنّهُ لَفِسْقٌ وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىَ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}
استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه"الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد {اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ َاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح، لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة:"إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك"وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج:"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه"وهو في الصحيحين أيضًا، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن:"لكم كل عظم ذكر اسم الله"