فهرس الكتاب

الصفحة 964 من 2760

الثوري عن الأعمش عن منهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} قال خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، ونقل ابن جرير: عن بعض السلف أيضًا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية.

وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية، وهذا فيه نظر، لأنه قال بعد ذلك {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع، لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الاَباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} الآية، فإن المراد من آدم المخلوق من السلالة، وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينًا، والله أعلم.

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}

قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ} لا هنا زائدة، وقال بعضهم زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر:

ما أن رأيت ولا سمعت بمثله

فأدخل"إن"وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي، قالوا: وكذا ههنا {مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ} مع تقدم قوله: {لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر، تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له ؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} فشذ من بين الملائكة لترك السجود فهذا أبلس من الرحمة أي وأيس من الرحمة فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم"هكذا رواه مسلم، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم"قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق ؟ قال: باليمن، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح:"وخلقت الحور العين من الزعفران"، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن الحسن في قوله: { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال: قاس إبليس وهو أول من قاس،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت