بُلِيتَ بِهَذِهِ الضَّلَالَةِ الْقَبِيحَةِ ، حِينَ تَأَوَّلْتَ كِتَابَ اللَّهِ بِجَهْلِكَ وَهَوَى نَفْسِكَ وَمَا زَيَّنَهُ لَكَ شَيْطَانُكَ ، وَأَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِكَ إِخْوَانُكَ ، وَذَلِكَ أَنَّا نَجِدُ الْحَرْفَ الْوَاحِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعَانِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، تَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِكَثْرَتِهَا وقَصَدْنَا لِذِكْرِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَجْتَ بِهَا . فَ جَعَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى خَلَقَ ، فجعل من الْمَخْلُوقِينَ ، عَلَى مَعْنَى وَصَفَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ ، وَقَسَمَ مِنْ أَقْسَامِهِمْ ، وَ ( جَعَلَ ) أَيْضًا عَلَى مَعْنَى فَعَلَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَا يَكُونُ خَلْقًا وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْخَلْقِ ، فَتَفَهَّمُوا الْآنَ ذَلِكَ وَاعْقِلُوهُ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى: وَصَفُوهُ بِغَيْرِ وَصْفِهِ ، وَنَسَبُوهُ إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ حِينَ عَضُوهُ وَمَيَّزُوهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ شِعْرٌ ، وَإِنَّهُ سِحْرٌ ، وَإِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ ، وَإِنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ، وَقَالَ: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ، وَقَالَ: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وَقَالَ: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتَ سُبْحَانَهُ ، وَقَالَ: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ لَا يَعْنِي ذَلِكَ وَلَا تَخْلُقُوا ، وَقَالَ: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ، وَقَالَ: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا ، وَقَالَ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ فَهَذَا كُلُّهُ ( جَعَلَ ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: ( خَلَقَ ) ، وَ ( جَعَلَ ) مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى فَعَلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: يَخْلُقُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ، وَقَالَ: حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: خَلَقَهُ نَارًا ، وَقَالَ: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُمْ جُذَاذًا ؟ وَ ( جَعَلَ ) فِي مَعْنَى ( خَلَقَ ) فِي مَعْنَى مَا كَانَ مِنَ الْخَلْقِ مَوْجُودًا مَحْسُوسًا ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . فَجَعَلَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى خَلَقَ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ يَرَاهُمَا النَّاسُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي بَنِي آدَمَ وَقَالَ: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ، يَعْنِي: خُلِقَتَا ، وَهُمَا مَوْجُودَانِ مَعْرُوفَانِ بِإِقْبَالِهِمَا وَإِدْبَارِهِمَا ، فَهَلْ يُعْرَفُ الْقُرْآنُ بِإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ ؟ وَقَالَ: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا مَعْنَاهُ خَلَقَ ، وَالشَّمْسُ نُورٌ وَحَرٌ وَهِيَ تُرَى ، فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ؟ ، وَقَالَ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا