قُرْآنَ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ بَعْدُ ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا عِلْمَ وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا اسْمَ لَهُ ، وَلَا عِزَّةَ لَهُ ، وَلَا صِفَةَ لَهُ حَتَّى أَحْدَثَ الْقُرْآنَ . وَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ ، وَلَا يُقَالُ: كَانَ اللَّهُ قَبْلَهُ ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا لَا مَتَى عَلِمَ وَلَا كَيْفَ عَلِمَ ، وَإِنَّمَا وَهَّمَتِ الْجَهْمِيَّةُ النَّاسَ وَلَبَّسَتْ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُولَ: أَلَيْسَ اللَّهُ الْأَوَّلَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَكَانَ وَلَا شَيْءَ ، وإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي: كَانَ اللَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَقَبْلَ الْأَرَضِينَ وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ ، فَأَمَّا أَنْ نَقُولَ: قَبْلَ عِلْمِهِ ، وَقَبْلَ قُدْرَتِهِ ، وَقَبْلَ حِكْمَتِهِ ، وَقَبْلَ عَظَمَتِهِ ، وَقَبْلَ كِبْرِيَائِهِ ، وَقَبْلَ جَلَالِهِ ، وَقَبْلَ نُورِهِ ، فَهَذَا كَلَامُ الزَّنَادِقَةِ وَقَوْلُهُ مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ عِنْدَ نَبِيِّهِ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَا يُحْدِثُهُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ ، وَلَمْ يِأْتِهِمْ بِهِ كِتَابٌ قَبْلَهُ ، وَلَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولٌ . أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ، وَإِلَى قَوْلِهِ فِيمَا يُحْدِثُ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَمِعُوهُ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ فَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ يُحْدِثُ نُزُولُهُ لَنَا عِلْمًا وَذِكْرَا وَخَوْفًا ، فَعِلْمُ نُزُولِهِ مُحْدَثٌ عِنْدَنَا وَغَيْرُ مُحْدَثٍ عِنْدَ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ حِينَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ وَظَهَرَتْ زَنْدَقَتُهُ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ ، ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ وَوَهِمَ وَلَبَّسَ عَلَى أَهْلِ دَعْوَتِهِ ، فَقَالَ: أَتَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَالْقُرْآنُ ؟ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَالْقُرْآنُ ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَمَعَهُ شَيْءٌ ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ وَلَا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ ، وَالْقُرْآنُ لَمْ يَزَلْ ، وَالْكَلَامُ لَمْ يَزَلْ وَالْعِلْمُ ، ولَمْ يَزَلْ وَالْقِوَّةُ ، وَلَمْ يَزَلْ وَالْقُدْرَةُ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ كَمَا قَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، وَكَمَا قَالَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِقُوَّتِهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَعِزَّتِهِ ، وَعِلْمِهِ ، وَجُودِهِ ، وَكَرَمِهِ ، وَكِبْرِيَائِهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَسُلْطَانِهِ ، مُتَكَلِّمًا عَالِمًا ، قَوِيًّا ، عَزِيزًا ، قَدِيرًا ، مَلِكًا ، لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا بِبَائِنَةٍ مِنْهُ ، وَلَا مُنْفَصِلَةٍ عنه ، وَلَا تُجَزَّأُ وَلَا تَتَبَعَّضُ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهَا مِنْهُ وَهِيَ صِفَاتُهُ ، فَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ ، وَكَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ . وَقَالَ: